الاثنين، 11 يناير 2010

حكايات شهرزادي الصغيرة -1-


تتهادى إليّ بخفةٍ ودلال كالحمائم اللندنيه في أعياد الميلاد,
تحملُ على جناحيها كومة من التساؤلات والأمنيات
تطرحها أمامي, وتنتصب كقاضيه في محكمة عدل تستجلي الحقائق والأسرار ..

تقول لي صغيرتي الجميلة ذات الشعر الغجري المُتمرد :


ماما / أريد أن أتلمس النور, من شموس الكتب التي أحتضنها بين يدي الطريتين .. أريد أن أتلمس العالم من حولي ..أستقرأ الموجودات..الكائنات..الكلمات..كل شيء, كل شيء يُشبع حواسي المُتلهفه لاكتشاف فضائنا الصغير والكبير .

ماما / أريد أن أندس في أحضان المدن التي ترصع خارطة العالم, أستكشف أغوارها, أغوص في أعماق ثقافتها , أهيم في أراضيها, شوارعها, حاراتها, أسواقها , أريد أن أتعرف على عادات وتقاليد شعبها, وأزور أهم المعالم التاريخيه فيها, أود أن أغوص في تاريخها و أتعرف على ملامحها الحضاريه وتاريخ نشأتها وتطورها الزمني, أحب أن أطّلع على سياستها الداخليه وأتعرف على وجوه حكامها, أحب أن أتذوق نكهات مطبخها التقليدي وأجرب تحضير بعض أطباقها الشهيره, أريد يوماً أن أطرق أبواب بيوتها العتيقه, أحل ضيفه على إحدى أسرها الأصيله أتسامر معهم, وأنغمس في ثقافة مختلفة في حضرتهم .


ماما/ أنا أحب أن أعيش كما علمتيني, أعيش أكثر من حياة في حياةٍ واحده, أتذوق كل يوم ثقافة جديدة, وأسبر أعماق حضارةٍ أخرى, أتعايش مع مختلف الشعوب والأجناس البشريه لا أنكفأ على نفسي في ظل جغرافيتي المحدوده, ألم تقولي ذات مساء من قبس قرآننا الكريم " وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا " .

ماما / قبل أن أغفو ذات ليلة قلتِ لي أن الليل ملك العدل في الأرض, فهو يُصور للفقير المُدقع في منامه وأحلامه أنه ملك الملوك يعيش في أبهى القصور بتدلهٍ وجمال, ويُصور للغني المدلل أنه أسحق كادحي الأرض يعملُ بيديه/ يتعرق جبينه حتى ينال لقمة العيش !

بت أفكر في ذلك كثيراً, وأتمنى لو كان يومنا كله ليلاً, ولكنك قلتِ لي من قبس كتابنا المجيد " وجعلنا النهار معاشا ", وبينتِ لي أهميه العمل والكدح والكسب الحلال, فحتى ننال شرف الحياة لابد أن نعمر الأكوان من حولنا, ونُحيي فيها خيرات السماء التي تهطل علينا بمعيّه إلهنا الكريم .

ماما / قال لي " بابا " ذات مرّه ونحن على متن الطائرة نناظر الأرض من فوق سماوات عدّه, : انظري يا صغيرتي الحلوة إلى أراضي الله الواسعه وأقرئيها, فكل شيء فيها قابلٌ للقراءة, حتى ولم تتعلمي القراءة بعد !

وتركني وحدي أصارع أمواج أفكاري, أحاول أن أفكك ما قاله لي!, وأتفرس في وجه كل شيء يدور حولي, لعلي أقرأ شيئاً من سبورة الحياة, أقرأ السماء, أقرأ الأرض, أقرأ اليابس والحي, أقرأ الإنسان والحيوان والنبات, بت أقرأ في دفاتر الموجودات, حتى أصل للحقيقه بنفسي بفعل الفطرة والطبيعه, فلا حقيقة أنصع من تلك التي يشتمها الإنسان ويسمعها ويراها بنفسه بفعل حواسه التي وهبها الله له للتعلم والمعرفه .


يتبع مع أحاديث صغيرتي 2


الجمعة، 8 يناير 2010

قالت لي انعام ..



* قالت لي انعام ..


· كلّما منحتِ الرجل ثقة أكبر, اقترب منكِ أكثر .
· لا تُكبليه في قفصكِ, بل اطلقي سراحه, فإن كان لكِ سيعود, وإن لم يعد فهو لم يكن لكِ منذ البداية.
· دعيه دوماً يحتاج لإشباع حاجة ملحة لديه تتوافر فيكِ أنتِ دون غيركِ .
· كوني مُشوقة ومُتجددة كشهرزاد, في كل يوم لديها حكاية مثيرة ينتظرها .
· لا خجل مع الحب, فلا تكوني أبداً خجوله في الحب معه .


- قد تتساءلون من تكون انعام تلك ؟

أنعام الخفش هي أديبة فلسطينيه التقيتها على مائدة عشاءٍ شامي في دمشق في غرّه سنة 2010,

وقد شاقني حديثها الذي ينم عن ثقافة واسعه ممتدة مُدعمه بتجارب وخبرات قيّمه عاشتها .

يُقال (( أن تستمع لتجربه خير لك من أن تقرأ مكتبه )) .


أظن أن تلك المقولة تصدق في بعض الأحيان !


شهرزاد

دمشق-2010

الاثنين، 4 يناير 2010

روز لن تموت !


صبيحة السبت
2/1/2010
دمشق القديمة






أغرسُ نفسي ياسمينة في قلب فناء بيت " روز " الدمشقي العتيق الذي أقطنه

هذا الصباح..

أُصافح كل شيء حولي بسلام..

شجرة النانرنج.. بحرة الدار.. شجرة الميلاد.. الكراسي الخشبيه العتيقه..
صوت فيروز.. ديوان نزار .. مشربيات البيتالزهور الحمراء التي تشي بحضور نزق في كل الزوايا






بيت " روز " هو بيت دمشقي عتيق بني في القرن الثامن عشر ويقع في دمشق القديمة عند باب توما , ذلك الحي المسيحيّ المُطرز بتراتيل راهباتها وقديسيها, والذي يتزين هذه الفترة بأشجار الميلاد المضيئة وهدايا " بابا نويل ".









ما يميز بيت روز هو احتفاظه بالشكل التقليدي العتيق للبيت الدمشقي الأصيل .. البحرة التي تتوسط الدار وتهبك ماؤها العذب.. شجرة النانرنج التي تقف على استحياء في زاويه البيت تهبك من ثمارها الصفراء الحامضة الممزوجه بشيء من مذاق المر " توازن طبيعي غريب ينبأ بطبيعه الحياة التي تحمل مذاقاات متناقضة في آنٍ واحد " . تستشعر في غرف البيت بحميميه لا تقاوم, ودفء لم أذقه في أي مكان من ذي قبل, فالنقوش التي تزين أسقفها .. واللوحات التي تعتلي جدرانها.. والرائحة التي تصطبغ بها تخلق فيها سحراً غريباً .. حتى حماماتها التي تمزج بين الطراز العثماني القديم والشامي العتيق .














بيت روز هو بيت صغير لسيدة دمشقيّه أصيلة تُدعى " روز مقصود ", وقد كانت معروفه جداً في دمشق القديمة لذا سُمي البيت على أسمها بعد موتها وتحويله الى فندق يقصده عشاق الزهر والجمال من العالم أجمع .

المثير في البيت أن روح روز مازالت حاضرة في المكان, تعبق بها الزوايا والجدران, ووجهها لايزال مستودع في ذاكرة المكان .

فقد رأيتها بإحدى الصور التي ترصع المكان, وهي تبدو بوجها الجميل ذو الملامح الدقيقه القريبه إلى ملامح النساء الفرنسيات .. الأنف الأرنبي الدقيق .. والثغر الناعم الحلو.. والعيون الممتلأة كبرياءً وغرورا ..

أينما يممت شطر وجهي في بيتها رأيتها فيه .. هناك تحت الشجرة أراها وهي تقطف ثمار النارنج لتحضر بيديها مربى شهيه طبيعيه.. في مجلس الدار أشتم رائحة القهوة التركيه التي ترتشفها وهي تثرثر مع " نسوان الحارّه " .. على الدرج أراها منكبة على قطعه قماش ناعم تُحيكه بعنايه لولادة حفيدها الأول..



روز تمتثل أمامي في كل بقعه .. في كل زاويه وتمنحني جمالاً دمشقياً أصيلاً, يحتفظُ بخصوصيه الثقافة الشرقيه التي نشأ في رحمها .

تخيلوا معي هذا الصرح العذري وقد امتدت إليه أيادي العولمة ودشنت فيه مظاهر العصر الحديث ماذا سيكون عليه ؟

بتُ أوقن يوماً بعد يوم, بأن كل ثقافة يجب أن لا تتماهى مع ثقافة أخرى, يجب أن تعيش بملامحها الطفوليه ولا تشيخ أبداً, يجب ان تبقى مُحتفظة بنكتها الأصليه دون توابل دخيلة لا تتوافق مع طبيعتها .

قد تستغربون فكرتي هذه , ولكن ماأراه وأحسه وأشمه يُبرهن لي أصالة ذلك, فأنا هنا لا أعارض فكرة " التعارف والإندماج " مع الثقافات والحضارات الآخرى, وإنما أستنكر فكرة " الإنسلاخ " من الثقافة الأصيلة والذوبان والإنصهار بثقافة أخرى هجينة . كل ثقافة تحتاج أن تحمل هويّه تُميزها عن غيرها, كل ثقافة يجب أن تحتفظ بجعبتها الحضاريه النفيسه ولا تُفرط بجواهرها أبدا . فمقدار أصالة أي حضارة إنسانيه يتوقف على مقدار احتفاظها بثقافتها الأصيلة .


يأتيني النادل الشامي , يقول لي بمنتهى الذوق والكرم الدمشقي ..


- يسعد صباحكِ صبيّه, شو بدّك تشربي ؟

أمتلأ بإحساس جميل, وأجيبه قائله ..

- بدّي أهوة مرّه
" فلا حاجة للسكر في مكانٍ كهذا رسولاً للجمال.


ههه ..
أتعلمون ماذا ؟

أرى ملامح روز مرتسمة على وجه فنجان قهوتي المره!

أُردد بيني وبين نفسي قائلة:
روز لن تموت ..
روز لن تموت ..
روز لن تموت ..


أخيراً أقول لمن كان يُثرثر معي في هذا الصباح الدمشقي:
ليست هناك لغة عظيمة بلا حُبٍ عظيم, فكن حبيبي حتى أستحق مجد الكتابة, فلا مجد لكاتبٍ لا يعشق !
-نزار-

شهرزاد
دمشق القديمة- 2010